ابن كثير

289

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ولا شك ، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه ، وكل ما نهى عنه فباطل فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة ، كما قال تعالى : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [ الأعراف : 157 ] إلى آخر الآية لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي ليس أحد يعقب حكمه تعالى ، لا في الدنيا ولا في الآخرة وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوال عباده الْعَلِيمُ بحركاتهم وسكناتهم ، الذي يجازي كل عامل بعمله . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 116 إلى 117 ] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 116 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 ) يخبر تعالى : عن حال أكثر أهل الأرض ، من بني آدم أنه الضلال ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ [ الصافات : 71 ] وقال تعالى : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف : 103 ] وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم ، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ فإن الخرص هو الحزر ، ومنه خرص النخل ، وهو حزر ما عليها من التمر ، وذلك كله عن قدر اللّه ومشيئته هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ فييسره لذلك وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فييسرهم لذلك ، وكل ميسر لما خلق له . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 118 إلى 119 ] فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ( 118 ) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ( 119 ) هذا إباحة من اللّه ، لعباده المؤمنين ، أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه ، ومفهومه أنه لا يباح ما لم يذكر اسم اللّه عليه ، كما كان يستبيحه كفار قريش من أكل الميتات ، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها ، ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم اللّه عليه ، فقال وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أي قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه ، قرأ بعضهم فصل بالتشديد ، وقرأ آخرون بالتخفيف ، والكل بمعنى البيان والوضوح . إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ أي إلا في حال الاضطرار ، فإنه يباح لكم ما وجدتم ، ثم بين تعالى جهالة المشركين ، في آرائهم الفاسدة ، من استحلالهم الميتات ، وما ذكر عليه غير اسم اللّه تعالى ، فقال وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ أي هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 120 ] وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 ) قال مجاهد وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ معصية اللّه في السر والعلانية ، وفي رواية عنه ، هو ما ينوي مما هو عامل ، وقال قتادة وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ أي سره وعلانيته قليله وكثيره ،